لا يتفق العلم والدين والفلسفة على الإيمان المطلق والشك.
فالعلم الدقيق الحديث. وإن قد بدأ "فرضياته" عن طريق الحدس والشعور. الا انه يستند استنادًا اساسيًا على  وملاحظة التناقضات ودراستها والشك في الموجود وهدمه عن طريق التجربة.
والنتيجة وصول الى "نظريات" جديدة وتُبقي عجلة التطور المستمرة على حالها. وهذا الامر الذي لا يتماشى لا ضمنيا ولا بالمطلق مع الدين. 

هل هذا الامر صحيح ؟

نعم. يستند الدين على الإيمان القطعي بفرائض وعقائد يمكن لها ان لا تتناسب مع العقل الجمعي والمنطق (لغير اتباع ذاك الدين على الاقل) بحيث لا يجوز للمرء تجاوز تلك الخطوط الحمراء البارزة الوضوح! ولكن الدين يحث على التفكير في بعض الاحيان. فهل يجوز ان تفكر في الوجود الالهي ؟ او صحة كلام الاعظم  ؟ او التشكيك في مصداقية كتبه ؟ او تحليل قصة معينة وردت لكي تثبت عدم حدوثها في المقام الاول ؟

بالطبع لا ! فعليك كمؤمن (وهو واضج من المسمى) ان يكون لديك ايمان بأن عقيدتك صحيحة وانها وحدها هي طريق نجاتك الوحيد لكي تصل للحياة الاسمى المالانهائية التي وُعدت بشرط ان تكون قد قمت بإتمام بعض الشروط المرسومة بدقة والتي تحتم عليك في معظم الاحيان اتخاذ القرارات اليومية الخاصة بك.

يختلف هذا الامر جملةً وتفصيلاً مع الفلسفة التي تستند على التفكير بكل شيء والتشكيك بصحته او بوجوده من الاساس. وان تدرس المتناقضات وتبحث عنها. فوجود التناقضات تلك هو او دلالة لك على انك من الممكن ان تصبح ذاك العالم او الفيلسوف او الاثنان معا الذي سيدون التاريخ انجزاته في العقود او القرون التالية. 

 

موضوع هذه المقالة هو العلم الدقيق وأسسه، وما يحتويه من حقائق وفرضيات ونظريات، وتوضيح الفروقات فيما بينها.
بعيدًا عن النقاش الجدلي الفلسفي الديني. 



فلنبدأ

 

مع الاسف، يعتبر البعض (وهذا الدارج بين معظم الناس وخصيصًا في عالمنا العربي) أن النظرية العلمية قد تكون صحيحةً او باطلة (بحسب انها قابلة للتغيير والتطور)، أمرا غير دقيق وانها خزعبلة في معظم الاحيان.  وانها ليست سوى مجرد رأي قابل للنقاش. وأن الحقيقة العلمية هي الامور المُسلم بها من العلم والتي يجب علينا ان نعتبرها حقيقة مطلقة لا تحتمل الجدل فهي تعتبر الواقع الذي يجب علينا القبول به شئنا ام ابينا. وبالتأكيد الفرضية هي عبارة عن هراء فكري وامر مرفوض بالفطرة يمكن ان يكون منطقيا بسرده ولكنه غير صحيح بالتأكيد.

رأي شخصي:
أثر الايمان بالغيبيات بشكل مباشر  على تطور العلم العربي والاسلامي خصوصا ان بعض الدول والممالك الاسلامية القديمة قد أنتجت الكثير من العلماء الرائدين في شتى انواع العلوم انذاك . الا ان معظمهم قد اقتصر موضوعهم على الترجمة. تحويل للكتب والدراسات الغربية والشرقية من لغاتها الاصلية الى اللغة العربية. وذلك كي تصبح اسهل نيلاً على رواد المدارس (او الحلقات الدراسية و غيرها من الوسائل المتاحة انذاك لتلقي العلم والتعلم) وتكون اكثر فهما لانها كتبت بلغتهم الام او اللغة الاكثر استخدامًا في اماكن اقامتهم. 

كان هذا التأثير يأتي على شكل اخذ العلم بما فيه والايمان به بنفس الطريقة التي كانو يؤمنون بها بالديانات الدارجة انذاك (الاسلام والمسيحية واليهودية وغيرها من الديانات الاخرى) دون وجود لبس بها! بعكس ما كان يقوم به بعض العلماء في اوروبا في عصر التنوير والذين كانو يرمون بإفتراضات لها نتيجة اخرى او سلسلة من النتائج غير تلك المآمن بها من قبل المجتمع وتحديدا المجتمع العلمي. والعمل بجدٍ ليلا ونهارا ساعين جاهدين لإثبات صحة فرضياتهم. 

هذا الامر المميز للعلم دونا عن غيره وهو الامر الذي يجعله يبدو جميلا لمتملقينه والمدمنين عليه. فهم على دراية تامة ان احدث وادق النظريات العلمية من السهل ان تسقط في حال قد قمنا بتحليل ملاحظاتنا ودراستها واعطاء تفاسير اخرى غير تلك الدارجة وإن كانت الاكثر تداولا. 

اذن، من اين نبدأ؟

من نظرية قائمة، قد لا تبدو منطقية بصورة كلية او جزئية لك او لمجموعة متلقية لها. ووضع فرضية او سلسلة من الفرضيات. او ملاحظة تناقضات قد تكون بذرة نظريتك العلمية التي ستسبب الثورة العلمية الاحدث.
 


تعتبر الفرضية الخطوة الاولى لتطور العلم


 

قصة قصيرة:
جلس شاب انجليزي اسفل شجرة وكان مثقل الافكار الغير نهائية في العلم والرياضيات والفيزياء,.. مفكرًا في كل ما يدور في عقله وكأنه في عالم اخر غير هذا الذي نعيش فيه. الى ان سقطت حبة تفاح بجانبه ! او على رأسه كما في روايات اخرى عن الحادثة. مكان سقوط التفاحة ليس بالاهمية لان صلب الموضوع ان الشاب ذو الثلاثة والعشرين ربيعًا قد نظر الى التفاحة مستغربا ! ثم نظر الى السماء ! وسأل السؤال الاهم في عصره ، والذي قد كان سببا رئيسيا للثورة العلمية المقبلة انذاك والتي قد اطلقت على يده، وهو:

" إن سقطت التفاحة، فهل يسقط القمر أيضًا ؟ "
~ إسحق نيوتن

بالطبع كان ذاك الشاب هو السير إسحق نيوتن. الذي ساهم بتغيير مسار العالم والعلم كثيرا. فقد قام بوضع قواعد لا زالت تعتبر اساسية الى يومنا هذا في الرياضيات (اهمها اسس التفاضل والتكامل)  والفيزياء وتحديدًا في الحركة الاجسام والميكانيكا والبصريات (العدسات). ومن اهم انجازاته ايضا ( ازالة الشكوك حول نظرية مركزية الشمس في نظامنا الكوني والتي سنتحدث عنها لاحقًا في هذه المقالة او سلسلة المقالات الاخرى ).

ادرك نيوتن ان (لكل فعل ردة فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه) والتي سرعان ان اصبحت حقيقة علمية حيث ان من السهل ان تثبتها في جميع تطبيقتها والتي يمكن ان تصل للسلوك الانساني او الحيواني او النباتي والتي تتمركز في نفسيتنا وطريقة عمل اجهزتنا الحيوية وخصوصا العقل . وبعيدا عن هذا. ان الاشياء عند رميها او فرض قوى عليها تتحرك بصورة مستقيمة نسبيا الى ان تصبح ضعيفة فتسقط الى الارض. ومن هناك استطاع تحليل مدخلات ومخرجات ملاحظاته حول الحركة لاثبات فرضية وجود جاذبية للأرض (عن طريق الاثبات رياضيًا لوجود عامل ثابت في المعادلة وهو تسارع جاذبية الارض الثابت ومقداره 9.81 متر لكل ثانية (م/ث)2 .

ولكن السؤال ؟ لماذا اعتبر تلك الجملة حقيقة علمية على غرار ان الجاذبية الارضية هي مجرد نظرية ؟ فكر مليًا، الى ان اجيب لاحقًا عن هذا السؤال.

الجدير بالذكر ان اسحق نيوتن اعتقد ان قوانين الحركة تلك عند تحولها الى نظرية ثابتة ومثبتة (وهي المرحلة الثانية والاخيرة) تصلح لكل الاجسام ومن ضمنها الاجرام السماوية التي تحوم بلا توقف . ولم تقتصر تلك القوانين على الارض فقط ! الا انها قد سقطت بلا عودة مع اثبات البرت اينستاين للنظرية النسبية والذي قد استند في وضع شكه وبناء نظرياته على صحة نظرية نيوتن في المقام الاول وغيرها مثل نظريات ماكسويل بخصوص سرعة الضوء الثابتة. 

"هذا هراء، لو ان حقيقة الجاذبية قد سقطت بالفعل. لماذا ما زالت تدرس في المدارس والجامعات!!! إنها المؤامرة. فنحن نعيش على قرص طائر يتحرك للاعلى بسرعة ثابتة"

ببساطة تعتبر نظرية الجاذبية نظرية صحيحة ومثبته ! وصحتها تكمن انها تفسر بدقة مطلقة الحركة والقوى. فمنها نستطيع توقع مستقبل الاجسام المتحركة من حيث الموقع او الوقت او القوى النهائية (((وذلك على الارض فقط ولا علاقة لها بالسماء))). واقصد بالسماء هنا (الكواكب والاجسام السماوية) التي تتحرك دائما لا المقذوفات والتي من اهم تطبيقاتها الصواريخ . والتاريخ الانساني الحديث مليء بالحروب والاحداث التي تثبت ان بعض الدول لديها القدرة على تحديد اماكن اهداف الصواريخ بدقة فائقة لا تتجاوز نسبة خطأها السنتمترات القليلة او اجزاء الثواني. 

الا ان تلك القوانين (((الوضعية))) تعتبر فائقة الدقة في اوساط خالية من الهواء. 


ربما من اكثر ما اثر على البشرية اليوم وكيف نقوم بملاحظة الواقع الخاص بحياتنا والعالم بأسره هو ما سمي "بنظرية المؤامرة" والتي هي ليست سوى مجموعة من الفرضيات المنطقية المتسلسلة التي يمكن ان تولد شكوك حول طريقتك في تحليل وقبول بعض الحقائق. وذلك واضح بالاساس لان جميع النظريات المشهورة متشابهة من حيث ان جهة او عالم معين مشهور ومعروف يقف خلف تلك النظرية بعكس تلك التحليلات التي قد تبدو منطقية حينا وغير منطقية في كثير من الاحيان والتي لا يعرف من الذي قد اسسها او لماذا قام بوضعها.


لنؤسس علمًا!

لنقم الان في تأسيس نظرية علمية جديدة حول ( زقزقة العصافير في وقت بزوغ الشمس )

وهذه حقيقة، فجميع الطيور تبدأ بالزقزقة دون توقف في فترة الفجر حتى الصباح لتقل تدريجيًا اثناء النهار الى ان تبدأ مجددا بتلك الزقزقة في فترة الغروب.

إقرأ المقال التالي للمتابعة!

~

هذه المقال تنتمي لسلسلة من المقالات، اقرأ: